ابن عساكر

309

تاريخ مدينة دمشق ( المستدركات )

قال الأصمعي « 1 » : دخلت على هارون - ومجلسه حافل - فقال : يا أصمعي ، ما أغفلك عنا ، وأجفاك لحضرتنا ! قلت : يا أمير المؤمنين ، ما ألاقتني بلاد بعدك حتى أتيتك ، فأمرني بالجلوس ، فجلست ، وسكت . فلما تفرق الناس إلا أقلهم نهضت ، فأقعدني « 2 » حتى خلا ، قال : يا أبا سعيد ، ما ألاقتني ؟ قلت : أمسكتني يا أمير المؤمنين [ وأنشدت ] « 3 » : كفاك كفّ ما تليق درهما * جودا وأخرى تعطي بالسيف الدما فقال : أحسنت ، وهكذا فكن ، و [ قر ] « 4 » نا في الملأ ، وعلمنا في الخلاء ، وأمر لي بخمسة آلاف دينار . وقيل : إنه قال له : ما لاقتني بعدك أرض . فلما خرج الناس قال له : ما معنى : ما لاقتني أرض ؟ قال : ما استقرت بي أرض ، كما يقال : فلان لا يليق شيئا أي : لا يستقر معه شيء ، وقال له : هذا حسن ، ولكن لا ينبغي أن تكلمني بين يدي الناس إلا بما أفهمه ، فإذا خلوت فعلّمني ، فإنه إما أن أسكت فيعلم الناس أني لا أفهم ، وإما أن أجيب بغير صواب ، فيعلم الناس أني لم أفهم . قال الأصمعي : فعلّمني أكثر مما علمته . مازح الرشيد أم جعفر فقال لها : كيف أصبحت يا أم نهر ، فاغتمت لذلك ، ولم تدر ما معناه ، فوجهت إلى الأصمعي فسألته عن ذلك ، فقال لها : الجعفر : النهر الصغير « 5 » ، وإنما ذهب إلى هذا ، فسكنت نفسها . قال الأصمعي : دخلت على هارون الرشيد ، فقال لي : يا أصمعي ، إني أرقت ليلتي هذه ، فقلت : لم ،

--> ( 1 ) الخبر رواه أبو بكر الخطيب في تاريخ بغداد 14 / 9 من طريق محمد بن الحسين الجازري حدثنا المعافى بن زكريا حدثنا محمد بن الحسن بن دريد حدثنا أبو حاتم عن الأصمعي ، وذكره : وتاريخ الخلفاء ص 343 . ( 2 ) في تاريخ بغداد : فأشار إليّ أن أجلس ، فجلست حتى خلا المجلس فلم يبق غيري وغيره ومن بين يديه من الغلمان . ( 3 ) استدركت عن تاريخ بغداد . ( 4 ) بياض بالأصل ، وكتب على هامشه « كذا » والمستدرك للإيضاح عن تاريخ بغداد . ( 5 ) في تاج العروس : الجعفر النهر عامة . وقيل : هو النهر الصغير ، وقيل : هو النهر الكبير الواسع . وقال ابن دريد : الجعفر : النهر ، فإذا كان صغيرا فهو فلج ( تاج العروس : جعفر ) .